أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
138
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
واختلفوا في الجملة من قوله : « وَلا تُؤْمِنُوا » هل هي من مقول الطائفة أم من مقول اللّه تعالى ، على معنى أن اللّه تعالى خاطب به المؤمنين تثبيتا لقلوبهم وتسكينا لجأشهم ؛ لئلا يشكّوا عند تلبّس اليهود عليهم وتزويرهم ؟ وقد نقل ابن عطية الإجماع من أهل التأويل على أنه من مقول الطائفة ، وليس بسديد لما نقله الناس من الخلاف . و « أَحَدٌ » يجوز أن يكون في الآية الكريمة من الأسماء الملازمة للنفي وألّا يكون ، بل يكون بمعنى واحد . وقد تقدّم الفرق بينهما بأن الملازم للنفي همزته أصلية ، والذي لا يلزم النفي همزته بدل من واو ، فعلى جعله ملازما للنفي يظهر عود الضمير عليه جمعا اعتبارا بمعناه ، لأنّ المراد به العموم ، وعليه قوله : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 1 » جمع الخبر لمّا كان « أَحَدٌ » في معنى الجميع ، وعلى جعله غير الملازم للنفي يكون جمع الضمير في « يُحاجُّوكُمْ » باعتبار الرسول عليه السّلام وأتباعه . وبعض الأوجه المتقدمة يصحّ أن يجعل فيها « أَحَدٌ » المذكور الملازم للنفي ، وذلك إذا كان الكلام على معنى الجحد ، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت كما مرّ في بعض الوجوه فيمتنع جعله الملازم للنفي ، والأمر واضح ممّا تقدّم . وقرأ ابن كثير : « أأن يؤتى » بهمزة استفهام وهو على قاعدته في كونه يسهّل الثانية بين بين من غير مدّ بينهما . وخرّجت هذه القراءة على أوجه : أحدها : أن يكون « أَنْ يُؤْتى » على حذف حرف الجر وهو لام العلة والمعلّل محذوف ، تقديره : ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبّرتموه . وقد قدّمت تحقيق هذا فحينئذ يسوغ في محلّ « أن » الوجهان : أعني النصب مذهب سيبويه « 2 » ، والجرّ مذهب الخليل . الثاني : أنّ « أَنْ يُؤْتى » في محلّ رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره : أأن يؤتى أحد يا معشر اليهود مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم تصدّقون به أو تعترفون به أو تذكرونه لغيركم أو تشيعونه في الناس ونحو ذلك ممّا يحسن تقديره ، وهذا على قول من يقول : « أزيد ضربته » وهو وجه مرجوح ، كذا قدّره الواحدي تبعا للفارسي ، وأحسن من هذا التقدير لأنه الأصل أإتيان أحد مثل ما أوتيتم ممكن أو مصدّق به . الثالث : أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسّره هذا الفعل المضمر ، وتكون المسألة من باب الاشتغال والتقدير : أتذكرون أن يؤتى أحد تذكرونه ، فتذكرونه مفسّر لتذكرون الأول على حدّ : « أزيدا ضربته » ثم حذف الفعل الأخير المفسّر لدلالة الكلام عليه ، وكأنه منطوق به ، ولكونه في قوة المنطوق به صحّ له أن يفسّر مضمرا ، وهذه المسألة منصوص عليها . وهذا أرجح من الوجه قبله ، لأنه مثل : أزيدا ضربته ، وهو راجح لأجل الطالب للفعل ، ومثل حذف هذا الفعل المقدّر لدلالة ما قبل الاستفهام عليه حذف الفعل في قوله : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ « 3 » قيل : تقديره : آلآن آمنت ورجعت وتبت نحو ذلك . قال الواحدي : « فإن قيل : كيف وجد دخول « أَحَدٌ » في هذه القراءة وقد انقطع من النفي والاستفهام ، وإذا انقطع الكلام إيجابا وتقريرا فلا يجوز دخول « أَحَدٌ » ؟ قيل : يجوز أن يكون « أَحَدٌ » في هذا الموضع « أحدا » الذي في نحو : أحد
--> ( 1 ) سورة الحاقة ، آية ( 47 ) . ( 2 ) انظر الكتاب 1 / 17 . ( 3 ) سورة يونس ، آية ( 91 ) .